حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

145

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

أمته . وقيل : أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها ، أو هو على وجه المبالغة كما تقول : أعطى من رأى ومن لم يره . وقيل : ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهرا . والأولى أن يقال : ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ المائدة : 3 ] ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي صلى اللّه عليه وسلم عدوّ من قريش ، فإن كثيرا منهم وقد أهلكوا يوم بدر ، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح . وقيل : إتمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط اللّه ، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته . والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده ، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد . وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه : أحدها لفظ ( إنا ) الدال على التعظيم . وثانيها لفظ ( لك ) الدال على الاختصاص . وثالثها إعادة اسم اللّه في الموضعين أوّلا وآخرا . ثم بين سبب النصر بقوله هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد اللّه كما مر في « البقرة » وفي « التوبة » لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ أي يقينا مع يقينهم أو إيمانا بالشرائع مع إيمانهم باللّه . وعن ابن عباس أن أول ما أتاهم به النبي صلى اللّه عليه وسلم التوحيد ، فلما آمنوا باللّه وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج ، أو ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري . وعلى هذا ففائدة قوله مَعَ إِيمانِهِمْ أن الفطرة تشهد بالإيمان ، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول . وجنود السماوات والأرض ملائكتهما ، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان . ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة . وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ، أو أن اللّه تعالى لا ينصرهم على أعدائهم ، أو أن للّه شريكا ، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى . ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة . قال بعض العلماء : ضم المؤمنات هاهنا إلى المؤمنين بخلاف قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ الأحزاب : 47 ] ونحو ذلك . والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحا نفيا لهذا التوهم ، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف . مثلا من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس